عائلة الشافعي… حين اجتمعت فواجع الحرب في بيتٍ واحد
لم يكن صباحُ جباليا يشبه أيَّ صباحٍ آخر. كان الحصار يخنق الأزقّة، والدخان يعلّق في الهواء كغيمةٍ ثقيلة لا تريد أن ترحل. وفي اللحظة التي ظنّت فيها العائلات أنّ الأيام القاسية ستمر سريعًا، بدأ التوغّل البري… مفاجئًا، كثيفًا، يبتلع كل شيء.
اختبأ الناس خلف جدران بيوتهم، متمسكين بأملٍ صغير يقول إنّ الجيش سينسحب، وإنّ الخراب لن يطول. لكن الحرب لا تُصغي لرغبات البشر.
في بيتٍ متواضع عند طرف المخيم، كانت عائلة الشافعي مجتمعة حول المصحف. كانوا يقرؤون آيات الله ليلًا ونهارًا، يحصّنون قلوبهم ويرجون أن تمرّ العاصفة دون أن تسرق غاليًا منهم.
لكن الوقت كان يركض… وكان الخطر أسرع.
بدأ صوت الدبابات يقترب، يزحف بثقله فوق الأرض، يضرب الخوف في صدور النساء والأطفال. وتتابع إطلاق النار على البيوت بلا إنذار. التفتت الأم إلى أبنائها، ومدّت ذراعيها كحصنٍ أخير:
“تعالوا هنا… خلّوني أحميكم.”
كانت تتلو عليهم آيات الحفظ وكأنّها تبني حولهم جدارًا من نور، لكن الظلام كان أعنف من أن يرتدع.
ركل الجنود الباب فجأة. كان الأب وابنه إبراهيم يقفان في الواجهة… وفي ثانيةٍ واحدة، صعدت أرواحهما إلى السماء، تاركَين خلفهما صرخةً ممزّقة تُشبه سقوط قلبٍ كامل على الأرض.
صرخة يعقبها صوت الجنود:
“يلاديم… يلاديم”
“أطفال”… كلمة تقطر قسوة رغم معناها.
احتُضِر المكان بصمتٍ ثقيل، كأنّ الملائكة حضرت تلمّ أشلاء الخوف وتربّت على قلوب الناجين.
سمح الجنود للأم بالمغادرة مع أطفالها، بعد أن انتزعوا منها زوجها وابنها دون حتى وداع. توسّلت أن تُدفنهم، أن تُقبّل وجوههم آخر مرة، لكن الحرب لا تمنح عطايا. خرجت تجرّ أبناءها الستة، وكلّ منهم يحمل عمرًا أكبر من سنّه.
سمعت صوت امرأة تصرخ من بين الركام، فهرعت إليها، فاحتضنتها المرأة هامسةً بما يشبه انكسار السماء فوق الرأس:
“خالد وإبراهيم… استشهدوا.”
لم تفهم سوى أنها فقدت نصف قلبها، وأن النصف الآخر يتشبث بأصابع أطفالٍ يحتاجونها أكثر من أن تسلّم نفسها للحزن.
اليوم بينهم شاب يدرس الطب، كان حلم والده أن يراه طبيبًا. وها هو يقف مرتبكًا بين طريقين:
أن يكمل حلمه ليكون فخرًا لروحيهما…
أم يقف مكان أبيه ليحمل إخواته الصغار على كتفيه.
والأخريات أيضًا… فتياتٌ صغيرات يحفظن كتاب الله كما أوصتهن أمهن.
كانت تقول لهن دائمًا:
“بدي ألبس منكم تاج الوقار… يا دنياي.”
واليوم، رغم الخراب، رغم الفقد، رغم اليُتم…
يمشون جميعًا نحو الحياة، يجمعون جراحهم بأيدي بعضهم، يحاولون ألّا يسقطوا.
لأن هذا ما يفعله الناجون…
يواصلون السير حتى لو كانت قلوبهم مثقوبة.
المطلوب : 5000$

