بعد العملية المفاجئة التي نفذتها المقاومة الفلسطينية في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي، والتي كشفت عن فشل أمني واستراتيجي كبير، وأظهرت عجز إسرائيل عن كشف العملية قبل حدوثها. قد نتج عن العملية خسائر بشرية كبيرة في صفوف الاحتلال، بالإضافة إلى أسر عدد كبير من الإسرائيليين، وقد كان ضربة قوية لصورة إسرائيل. ونتيجة لذلك سعت إسرائيل إلى رد هيبتها من خلال الانتقام، ومحو غزة، وذلك لاستعادة هيبتها.
وعلاوة على ذلك استخدمت إسرائيل سياسة انتقامية، وهذا جعلها تستخدم أسلحه محرمة دوليًا، كالقنابل العنقودية والفسفورية، كما فرضت حصار شامل على قطاع غزة، مما أدى إلى انقطاع الكهرباء والمياه والوقود، وأيضًا نقص حاد في الإمدادات التموينية والطبية. وبهذا قد دفع المدنيين في غزة ثمن ما حدث من دمار، وكل هذا في ظل الصمت الدولي وعجز المجتمع الدولي عن التدخل.
سعت إسرائيل لاستعادة هيبتها من خلال محو شعب كامل، واستخدام مفرط للقوة العسكرية، وتكثيف القصف، إلى جانب اللجوء إلى أساليب الحرب النفسية والإعلامية، بغاية التأثير على الفلسطينيين وقتل الأمل بداخلهم.
هدف إسرائيل من الحرب
لقد حسمت إسرائيل موقفها بشكل واضح تجاه قطاع غزة، أي أنها سعت إلى تحقيق هدف واحد وهو القضاء التام على المقاومة الفلسطينية بكل أطيافها، ومن جهة أخرى، تعمل على تفريغ القطاع من سكانه. وعليه، لجأ الاحتلال الإسرائيلي إلى استخدام القوة العسكرية، متمثلة في القصف الجوى المكثف واستهداف البنية التحتية، سواءٍ من مدارس أو مستشفيات أو منازل. ولذلك نزح اغلب أهل غزة من منطقة إلى أخرى، ابتداءً من الشمال، ثم الوسط، وصولً إلى الجنوب.
قد قام الاحتلال الإسرائيلي باستخدام النزوح القسري، وهذا يُعد مؤشر واضح على وجود نية لتهجير أهل غزة من أرضهم، في ظل إصرار الاحتلال على جرائم القتل والقصف العنيف تجاه المدنيين. ومن خلال هذا النهج، يحاول الاحتلال استغلال الحدث العسكري وإعادة السيطرة على قطاع غزة، وذلك عبر سلسلة من المراحل:
- القصف الجوي المتواصل
- فرض الحصار الكلي على القطاع
- تقسيم الأرض فعليًا إلى ثلاثة أجزاء: شمال، وسط، وجنوب، وكل ذلك سوف يُضعف التواصل الجغرافي بين مناطق القطاع ويُرهق المقاومة الفلسطينية.
إن ما يحدث في غزة قد يمتد إلى تهجير الفلسطينيين باتجاه الأردن أو مصر، ضمن مشروع تهجير ممنهج يهدد وجود الوجود الفلسطيني برمته، وذلك إن نجح سوف تكون نهاية المقاومة الفلسطينية.
معاناة أهل غزة في ظل الحصار والحرب
يعيش سكان قطاع غزة في واقع مأساوي يشبه الجحيم، حيث تحولت حياتهم اليومية إلى صراع مرير من أجل البقاء فقط. حيث أنهم في كل لحظة يواجهون الموت والقصف والدمار، وانعدام الأمان واستمرار العدوان.
وفي ظل كل تلك التحديات، ومواجهتهم للوضع المتدهور، لم تعد أبسط مقومات الحياة متوفرة، لا وجود لشيء مثل الكهرباء، والمياه ملوثة وحتى أنها نادرة الوجود، لا يوجد وقود، وهناك نقص حاد في المواد الغذائية، والموارد الطبية غير متاحة من الأساس ولو وجدت تكون باهظة الثمن.
وعلى الرغم من تمسك أهل غزة بحقهم في الحياة، إلا أن العيش في غزة بات أمرًا شبه مستحيل؛ لإن الحرب فرضت واقع قاسي يحاصر القطاع من كل جانب. فالخوف لا يفارق سكان القطاع، والقلق يخيم على يوميهم، ومستقبلهم غير معلوم. وهكذا لا يعيش أهل غزة فقط تحت القصف العنيف، بل هناك حصار نفسي واقتصادي خانق، يجعل معاناتهم متعددة الأشكال، ويجعل من الحياة اليومية رحلة من الألم والمعاناة.
كيف هو الوضع في غزة؟
في قطاع غزة، لم يعد هناك طريق أو مبنى قائم، فقد تم تدمير البنية التحتية لدمار واسع النطاق، حيث تجاوزت نسبة تدمير المباني 90%. ونتيجة لذلك، تحولت حياة آلاف الأسر من الاستقرار في منازلهم إلى تشرد قاسٍ في العراء، بعد ما تعرضت منازلهم التي كانت تمنحهم الأمان للقصف والتدمير. ولم يجد سكان القطاع أماكن غير الخيام، وهو الحل الوحيد أمامهم.
وتُعد الخيام مكان غير أمن، ولا يعد مأوى قد يحمي أهل غزة من القصف أو البرد، بل تحول إلى معاناة أخرى لهم، وسط كل الظروف القاسية، وغياب كل مقومات الحياة الأساسية. وفي الشتاء تصاعدت المأساة، ففي الليالي الباردة، لم تكن الخيام تحميهم من المطر أو لسعات البرد القارس. إن حياة الخيام لم تكن فقط فقدان للمأوى، بل ترمز إلى غياب الأمان، وعمق العنف الذي يعيشة الفلسطينيين.
في الواقع لم تعد الحياة في غزة تشبه الحياة، بل تحولت إلى معركة يومية وكابوس كبير يعيش فيه آلاف من الأسر الفلسطينية في مواجهة الجوع، والبرد، والخوف، ففي ظل الدمار والحصار لا مأوى يحمي من القصف، ولا حتي غذاء يكفي، ولا مكان أمن يُمكن التوجه له في نهاية اليوم، أو حتى لحظة من لحظات يوميهم.
ومع مرور كل يوم، تزداد الأوضاع قسوى، وتنتهي أمال كبيرة في انتهاء الحرب، والأحلام التي كانت تراود الأجيال الشابة تقتل بشكل تدريجي، حتى الآمال التي يتعلق بها الكبار تتضاءل تحت قصف الاحتلال. ومع ذلك رغم كل ما يواجهه سكان غزة من معاناة، فإنهم لا يزالون صامدين، رغم كل المآسي التي يعانون منها، لا يزالون يتمسكون بالحياة، مهما طال ليل الاحتلال، لا بد أن الفجر سيطلع.
اقرأ المزيد

