بناء ما بعد الحرب وإعادة الإعمار في غزة يشكّلان أحد أكبر التحديات الإنسانية والاقتصادية داخل القطاع، فبعد الدمار الواسع الذي خلّفته حرب الإبادة، تقف آلاف العائلات أمام تحديات لاستعادة مقومات الحياة على الرغم من فقدان المأوى وانهيار البنية التحتية.
التحديات التي تواجه عملية إعادة الإعمار في غزة
تشكل عملية إعادة الإعمار في قطاع غزة إحدى أكثر القضايا تعقيداً وإلحاحاً على المستويين الإقليمي والدولي منذ اندلاع الحرب الأخيرة. إذ يواجه أكثر من مليوني فلسطيني دماراً شبه شامل طال الأبنية السكنية، والمرافق الحيوية، والمؤسسات الصحية والتعليمية، محوّلاً القطاع إلى ما يشبه أكبر منطقة أنقاض في العالم.
يُعد الإطار السياسي عاملاً حاسماً في تحديد إمكانية انطلاق مشاريع الإعمار ونجاحها، إذ أفرزت الدورات المتكررة للحروب وما تبعها من إشكاليات تتعلق بالسيادة والجهة المسؤولة عن إدارة القطاع واقعاً معقداً يعيق الجهود البنيوية. كما أن الترابط الوثيق بين عملية الإعمار والتفاهمات السياسية والأمنية يجعل أي مشروع إعادة بناء عرضة للتجميد أو التدمير مجدداً في حال تجدد المواجهات.
تجاوزت الخسائر المادية في قطاع غزة 70 مليار دولار حتى منتصف عام 2025، مع تدمير نحو 90٪ من المباني السكنية و80 إلى 95٪ من المرافق الصحية والتعليمية وشبكات الخدمات الحيوية مثل المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق. وقد أدت الحرب إلى نزوح ما يقارب 1.9 مليون شخص – أي ما يعادل 90% من السكان – يعيش معظمهم في مخيمات مؤقتة تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية وسط أوضاع صحية متدهورة وظروف مناخية قاسية.
ويُقدَّر حجم الركام والأنقاض بأكثر من 55 مليون طن (وقد تصل التقديرات إلى 61 مليون طن)، ما يتطلب أكثر من عقدين لإزالته بتكلفة تفوق 1.2 مليار دولار، دون احتساب كلفة إزالة الألغام والقذائف غير المنفجرة والمخاطر البشرية المرتبطة بها.
اقرأ المزيد: أثر القصف على البيئة قي غزة
على الصعيد الاقتصادي، شهد القطاع انهياراً غير مسبوق؛ إذ تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 81% في الربع الأول من عام 2024، وانخفضت مساهمته في الاقتصاد الفلسطيني من متوسط 17% إلى أقل من 5%. كما انكمشت قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة والبناء والخدمات بشكل حاد، وارتفعت معدلات البطالة إلى نحو 70%، فيما وصلت نسبة الفقر إلى 90%. وفقد أكثر من 200 ألف عامل وظائفهم، وانخفض الدخل اليومي للعمال بأكثر من 80%، في حين ارتفع مؤشر الأسعار الاستهلاكية إلى أكثر من 250% نتيجة اضطراب سلاسل التوريد ونُدرة السلع الأساسية.
تُقسَّم احتياجات التمويل لإعادة الإعمار إلى ثلاث مراحل رئيسية:
- مرحلة الإغاثة العاجلة والإنعاش المؤقت بتكلفة تُقدَّر بين 3.5 و5 مليارات دولار.
- مرحلة إزالة الركام والمخلفات بتكلفة تتراوح بين 1.2 و1.5 مليار دولار.
- مرحلة إعادة البناء الشاملة للبنية التحتية والمؤسسات والمشاريع الاقتصادية بتكلفة تُقدَّر بين 65 و70 مليار دولار على مدى عقدين من الزمن.
ومن المتوقع أن تذهب 72% من إجمالي الكلفة إلى مشاريع الإسكان، و19% إلى البنية التحتية العامة (المياه، الكهرباء، الصحة، التعليم)، ونحو 10% إلى القطاعين الزراعي والصناعي. وتشمل الخطة تحسين استقلالية الطاقة، وتوفير مياه شرب آمنة بعد تدمير نحو 80–96% من مصادر المياه وما يقارب 600 مرفق للمياه والصرف الصحي.
حالياً يعتمد أكثر من 60% من سكان القطاع على المساعدات الغذائية، فيما تعاني الشركات المحلية من خسائر متراكمة بسبب تدمير منشآتها ومنع إدخال المعدات والمواد الخام. ومع ذلك، يؤكد اتحاد الصناعات الفلسطينية استعداد القطاع الخاص للمشاركة الفاعلة في مشاريع الإعمار متى ما تم رفع القيود وفتح المعابر.
يُضاف إلى ذلك تحدٍّ ميداني بالغ الخطورة يتمثل في وجود مئات الآلاف من القذائف غير المنفجرة والألغام، ما يعرقل مباشرة عمليات رفع الأنقاض وإعادة البناء، ويستدعي خبرات وتقنيات دولية متقدمة وموارد مالية ضخمة. كما يهدد هذا الواقع بانتشار الأوبئة والأمراض داخل مخيمات النزوح المكتظة، مما يجعل من إعادة الإعمار مهمة معقدة تتطلب تنسيقاً واسعاً وإرادة سياسية دولية جادة.
اقرأ المزيد: إعادة الإعمار في غزة: التحديات والفرص
أهمية تمويل مشاريع إعادة البناء والإعمار في غزة
تُعدّ مشاريع إعادة البناء والإعمار في غزة ركيزة أساسية في مسار التعافي الإنساني والاقتصادي بعد سنوات من الدمار والحصار. فتمويل هذه المشاريع لا يقتصر على إعادة بناء البنية التحتية المهدّمة، بل يمتد ليشمل إنعاش الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل جديدة، وتمكين الأسر من استعادة الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي. كما يسهم التمويل في إعادة تشغيل الخدمات الحيوية كالمياه والكهرباء والمستشفيات والمدارس، ما يعيد للحياة طابعها الطبيعي تدريجياً.

