الصمت الإعلامي في غزة ظاهرة معقدة ومتعددة الأوجه، ليست فقط مجرد الإغفال بل التواطؤ في ظل كارثة إنسانية متفاقمة. هذه الظاهرة لا تقتصر على تجاهل الأحداث فحسب، بل تتضمن أيضًا تحيزًا في التغطية، وتضليلاً منهجيًا، واستهدافًا مباشرًا لكل من يحاول كشف الحقيقة. يكشف هذا الصمت عن معايير مزدوجة ونفاق دولي، ويترك الشعب الفلسطيني يواجه مصيرًا مجهولًا في ظل تجاهل عالمي واسع النطاق.
أسباب الصمت الإعلامي
1.استهداف الصحفيين ووسائل الإعلام في غزة
استهداف الصحفيين ووسائل الإعلام في غزة يُعدّ أحد أخطر أبعاد الصراع، لأنه لا يقتصر على إسكات أفراد، بل يطال مصدر الحقيقة نفسه، ويؤدي دورًا محوريًا في إدارة الصمت الإعلامي وتغييب الرواية الفلسطينية.
الصحفي في مناطق النزاع ليس مجرد ناقل خبر، بل شاهد مباشر على الانتهاكات، ووجوده يحدّ من قدرة أي طرف على إنكار الجرائم أو تبريرها. لذلك، يُنظر إلى الإعلام في غزة كـ تهديد للرواية الرسمية التي تسعى بعض الأطراف لفرضها على الرأي العام العالمي. استهداف الصحفيين يهدف إلى تقليل عدد الشهود الميدانيين، إضعاف التوثيق البصري والإنساني للجرائم، والتحكم بما يصل إلى الإعلام الدولي.
استهداف الصحفيين في غزة لا يأخذ شكلًا واحدًا، بل يتم عبر أنماط متعددة وممنهجة، منها القتل المباشر أثناء التغطية الميدانية، حتى في أماكن معلومة وموسومة بوضوح كمواقع صحفية، إضافة إلى قصف مقارّ وسائل الإعلام أو الأبراج التي تضم مؤسسات صحفية، ما يؤدي إلى تدمير البنية الإعلامية بالكامل، أو الإصابة المتعمدة أو التهديد المستمر، ما يجبر الصحفيين على تقليص تحركاتهم أو الامتناع عن التغطية، حتى قطع الاتصالات والكهرباء، وهو شكل غير مباشر من إسكات الإعلام، يمنع نقل الصورة والصوت إلى الخارج.
وفي أكثر من مناسبة، جرى استهداف صحفيين أثناء قيامهم بتغطية ميدانية مباشرة وهم يرتدون سترات وخوذًا تحمل بوضوح كلمة PRESS. بعض هذه الاستهدافات أدّت إلى استشهاد أو إصابة أكثر من صحفي في الموقع نفسه، ما اعتبرته منظمات حقوقية نمطًا خطيرًا يدل على استهداف جماعي وليس حادثًا عرضيًا.
2.تقييد الحركة
تقييد الحركة يعني منع أو إعاقة وصول الصحفيين ووسائل الإعلام إلى أماكن الحدث، سواء عبر الحصار، أو الإغلاق العسكري، أو القيود الأمنية، أو المخاطر الميدانية العالية. ومن أشكال تقييد الحركة في غزة وأهمها هو منع دخول الصحفيين الأجانب خوفًا من نشر الحقيقة، كما تم تدمير الطرق والجسور ووسائل النقل، الأمر الذي أدى إلى عزل مناطق كاملة عن التغطية الإعلامية. كما أن تقييد الحركة لا يطال الأفراد فقط، بل يشمل منع إدخال معدات تصوير وبث، انقطاع الكهرباء والإنترنت والاتصالات، ضعف القدرة على إرسال المواد المصورة في الوقت الحقيقي.
3.إعطاء الأولوية للرواية الإسرائيلية
تُعد وسائل الإعلام الغربية، وخاصة الرئيسية منها، في قلب الانتقادات الموجهة للتغطية الإعلامية لأحداث غزة. يُتهم هذا الإعلام بالفشل في تقديم صورة دقيقة وشاملة للأزمة، وبدلاً من ذلك، يتبنى سردية غالبًا ما تكون مؤيدة لإسرائيل، مع إغفال متعمد لمعاناة المدنيين الفلسطينيين وانتهاكات حقوق الإنسان.
وتظهر العديد من الدراسات أن التغطية الإعلامية الغربية غالبًا ما تعتمد بشكل كبير على المصادر الإسرائيلية الرسمية، دون التحقق الكافي أو تقديم وجهات نظر فلسطينية موازية. يؤدي هذا إلى تشكيل رأي عام متحيز، حيث يتم تجاهل الدمار الإنساني الهائل في غزة والعدد المتزايد من الضحايا المدنيين.
دورنا في كسر الصمت الإعلامي على ما يحدث في غزة
استخدام التواصل الاجتماعي
لعبت منصات مثل تويتر وفيسبوك وإنستغرام وتيك توك دورًا محوريًا في عرض صور ومقاطع فيديو مباشرة من غزة، كاشفة عن الدمار والشهداء ومعاناة المدنيين. هذا المحتوى، الذي غالبًا ما يتم نشره من قبل ناشطين وصحفيين مواطنين، زاد الوعي العالمي بالأزمة وأجبر بعض وسائل الإعلام الغربية على تعديل رواياتها تدريجيًا.
رغم قوتها، تواجه وسائل التواصل الاجتماعي تحديات، بما في ذلك انتشار المعلومات المضللة وصعوبة التحقق من جميع المصادر. كما أنها تتعرض لرقابة مستمرة، حيث يتم حذف محتوى فلسطيني على بعض المنصات بحجة “انتهاك المعايير”.
اقرأ المزيد وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في نشر صوت غزة للعالم
ومع ذلك، علينا الاستمرار في النشر والمساهمة في إظهار حقيقة ما يجري، وأن الحرب لا تزال مستمرة تحت عنوان “الهدنة”، ولا يزال الناس يعانون من الجوع والبرد ونقص الدواء، الأزمة مستمرة لكن الصوت أصبح لا يصل، كما لو أن هذا ما أرادت اسرائيل تحقيقه وها هو يحدث!!

