يشهد قطاع غزة اليوم أزمة المأوى الكارثية، يعاني منها نحو 1.9 مليون نازح اضطروا لمغادرة منازلهم بعد الحرب المدمرة، هؤلاء النازحون يعيشون في خيام مؤقتة، لا توفر لهم الدفء أو الحماية الكافية، وسط ظروف قاسية تزيدها قسوة الأمطار الغزيرة والرياح والأمطار في فصل الشتاء. وتغرق مياه الأمطار الخيام البالية، وتتطاير بقاياها بفعل الرياح، تاركة العائلات في مواجهة برد قارص، وحرمان مستمر من أبسط مقومات الحياة. كثير من الأسر تلجأ لأي مساحة متاحة للاختباء، حتى لو كانت ضيقة أو غير صالحة للعيش، لتجنب البقاء في العراء.
حجم أزمة المأوى بعد الحرب
تتعرض الخيام للتمزق والانهيار بشكل مستمر، ما يهدد حياة مئات الآلاف من الناس الذين فقدوا مأواهم ويعيشون حالة دائمة من القلق والخوف على مستقبل أبنائهم. ويعتبر الأطفال والنساء وكبار السن هم الأكثر تضرراً، إذ يجدون أنفسهم بلا مأوى حقيقي، معرضين للموت.
هذه الأزمة الإنسانية الكبيرة تتطلب استجابة عاجلة، لتوفير مأوى آمن ومواد إغاثة أساسية، تمنح الأسر شعوراً بالسلام والأمان، وتخفف من معاناتهم اليومية التي لا تنتهي. في هذه اللحظات الصعبة، يصبح تقديم الدعم والمساعدة لكل نازح مسألة حياة أو موت.
يمثل العثور على مأوى مناسب أحد أبرز التحديات التي تواجه العائلات الفلسطينية في قطاع غزة بعد الحرب، وذلك بالأخص بعد أن تضررت مساحات واسعة من المباني والبنية التحتية خلال الحرب. وقد وجدت مئات العائلات نفسها أمام منازل مهدمة وأحياء لم تعد صالحة للسكن، لتواجه واقعاً صعباً يفتقر إلى المقومات الأساسية للحياة. ولا تتوقف معاناة السكان عند فقدان المأوى، إذ تمتد إلى صعوبات كبيرة في الحصول على المياه والطعام بسبب تضرر البنية التحتية وتعطل خطوط المياه وإغلاق الطرق. كل ذلك يشير إلى أن رحلة التعافي ستكون طويلة.
ولا يزال عشرات الآلاف من سكان القطاع بلا مأوى حقيقي، يعيشون في ظروف قاسية داخل خيام مؤقتة أو منازل مهددة بالانهيار، بينما تتزايد المخاطر مع المنخفضات الجوية المتتابعة والبرد الشديد والأمطار الغزيرة، ما يجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة وشبه مستحيلة. كما تُشكل مخلفات القصف المنتشرة في الشوارع وتحت الأنقاض خطرًا مستمرًا على المدنيين، خاصة الأطفال وكبار السن، في ظل عدم إزالة الركام بشكل كامل، مما يضيف أزمات جديدة إلى حياة أهالي غزة ويجعلهم مثقلين بالأعباء.
اقرا المزيد ما الذي يمكن أن نقدمه من أجل غزة في 2026؟
كيف أثرت الحرب على أزمة المأوى التي يواجهها أهالي غزة؟
يسعى آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة للعثور على مأوى، بعد أن دمرت الحرب مساحات واسعة من المنازل والبنية التحتية، تاركة الكثير من الأسر بلا مأوى. يعيش بعضهم في خيام مؤقتة أو أماكن غير صالحة للسكن، بينما تنتشر الأنقاض والغبار في الشوارع والأحياء المتضررة، ويعلق السكان في انتظار وصول المساعدات الإنسانية الضرورية. ويواجه الأطفال في غزة أزمات يومية تؤثر على حياتهم بعد عامين من الحرب والحصار. الكثير منهم يعيش في خيام تفتقر إلى الأمان والغذاء والماء، كما توقفت المدارس في مناطق كثيرة، وتقلصت فرص الحصول على الرعاية الصحية. بالإضافة إلى ذلك، فقد بعض الأطفال عائلاتهم وأصدقائهم خلال الحرب، ما ترك آثاراً نفسية كبيرة عليهم. ويعاني كبار السن ظروفاً صعبة بعد أن فقد العديد منهم منازلهم ومصادر دخلهم. يواجهون صعوبات متزايدة لتأمين الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والماء والخدمات الصحية، في ظل تراجع الخدمات العامة.
اقرأ المزيد حملة إنسانية لإغاثة غزة في ظل الأزمة الحالية
وتتحمل نساء غزة أعباء إضافية بعد الحرب، حيث أصبحت مسؤولياتهن أكبر في إعالة الأسر، وتأمين الغذاء والمأوى ورعاية الأطفال وكبار السن، في وقت تقل فيه فرص العمل وتضعف إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية، ما يزيد الضغوط اليومية على حياتهن. كما تزيد الظروف المناخية الكثيرة من تفاقم أزمة المأوى بعد الحرب في قطاع غزة، حيث تتعرض الخيام والمنازل المتضررة للبرد القارس والأمطار الغزيرة، ما يزيد من صعوبة الحياة اليومية. وتظل مخلفات القصف والأنقاض منتشرة في الشوارع، ما يشكل تهديدًا مستمرًا للمدنيين، خاصة الأطفال وكبار السن.

- حياة النازحين في الخيام
في ظل أزمة المأوى، يبحث الكثير من الفلسطينيون في قطاع غزة عن مكان آمن يحميهم من برد الشتاء وأمطار الخريف، مع انهيار الخيام والمنشآت المتهالكة، ونقص البدائل، وغياب مراكز الإيواء الكافية. يعاني النازحون من عدم وجود مأوى يحميهم من الأمطار والرياح، حيث انهارت الكثير من الخيام أو تمزقت بفعل مياه الأمطار، لتبقى آلاف الأسر بلا مأوى حتى لو كان بسيطًا. كما تتحول المخيمات في فصل الشتاء إلى برك من الوحل، لذلك، تصبح حياتهم معرضة للمخاطر الصحية الكثيرة وتعيش الكثير من الأسر في ظروف تفتقر لأبسط مقومات الحياة مثل المأوى الآمن، الدفء، الغذاء، والمياه النظيفة. ويستدعي ذلك تحركًا سريعًا لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
- انهيار المخيمات وعدم وجود أبسط مقومات الحياة
الخيام المنتشرة في مناطق النزوح في قطاع غزة تُعد ملاذات مؤقتة غير صالحة للسكن الدائم، حيث غالبًا ما تكون مصنوعة من قماش مهترئ لا يوفر الحماية الكافية من تقلبات الطقس، سواء البرد القارس في الشتاء أو الأمطار الغزيرة والعواصف الترابية. كما يعيش أهالي غزة في مساحات ضيقة، غالبًا ما تكون أقل بكثير من حاجة أفراد الأسرة. ,مع مرور الوقت، تتفاقم مشاكل أزمة المأوى بسبب الصرف الصحي والنظافة في المخيمات، ما يؤدي إلى انتشار الأمراض المعدية بين سكان القطاع ويزيد سوء أزمة المأوى، ويتزايد العبء على الأسر التي تكافح لتوفير الحد الأدنى من النظافة للأطفال وكبار السن. ويؤثر ازدحام الخيام وضعف التهوية فيها على صحة الأطفال بشكل مباشر، خاصة من يعانون من أمراض مزمنة أو ضعف المناعة.
- نقص الاحتياجات الأساسية في المخيمات
تزداد صعوبة الحياة اليومية داخل مخيمات النزوح في قطاع غزة مع استمرار انعدام مقومات الحياة الأساسية، حيث تجد آلاف الأسر نفسها تكافح من أجل البقاء في ظل عدم قدرتهم على الوصول إلى الغذاء والمياه والأدوية، وفى ظل تراجع الخدمات نتيجة القيود المفروضة على دخول المساعدات. ومع اقتراب فصل الشتاء، تتعمق هذه المعاناة أكثر، خاصة مع منع دخول خيام جديدة ومستلزمات الإيواء الشتوية، ما يترك العائلات مكشوفة أمام برد قاسٍ لا يرحم.
- تدهور بنية المخيمات
يعيش قرابة مليوني نازح في خيام بالية تفتقر إلى أدنى درجات الحماية من البرد والرياح والأمطار. هذه الخيام لا توفر عزلاً حراريًا ولا تمنع تسرب المياه، الأمر الذي أدى إلى غرق مئات الخيام خلال أولى موجات الشتاء، وفقدان العديد من العائلات لما تبقى لديها من مقتنيات بسيطة كانت قد انتشلتها من تحت ركام منازلها. كما يعاني السكان من نقص شديد في خدمات المياه والصرف الصحي، ما يزيد مخاطر التلوث وانتشار الأمراض، خاصة بين الأطفال الذين يصعب عليهم التكيف مع هذا الواقع القاسي.
- انعدام وجود الخدمات ونقص في الأدوية
وتزداد الأوضاع الصحية تعقيدًا يومًا بعد يوم، فالنقص الكبير في الأدوية والمستلزمات الطبية يجعل مرضى الأمراض المزمنة وكبار السن في حالة مواجهة دائمة مع الخطر. ومع انخفاض درجات الحرارة، ترتفع معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والرئوي، في وقت تعجز فيه العائلات عن توفير التدفئة اللازمة أو الحصول على رعاية صحية مناسبة في المخيمات.
وذلك بسبب الانهيار الصحي غير المسبوق، نتيجة النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية ومنع دخول الإمدادات الضرورية التي يحتاجها المصابون لإنقاذ الأرواح. حتى المستشفيات فقد تعطلت معظم الخدمات الحيوية داخلها، ومن أهمها عمليات القلب المفتوح والقسطرة القلبية، ما أدى إلى وفاة العديد من المرضى في شمال القطاع، إضافة إلى مرضى السرطان الذين يُتركون لمصيرهم بسبب توقف العلاجات الأساسية التي كانوا يعتمدون عليها للعيش.
ومع تدمير عدد كبير من المستشفيات والمنشآت الصحية، وعدم وجود الأدوات اللازمة في المخيمات لعلاج المصابين، وتقييد عمل الفرق الطبية، أصبح النظام الصحي بأكمله يقف على حافة الانهيار الكامل. فالإجراءات الإسرائيلية لم تقتصر على الحصار فقط، بل شملت خطوات ممنهجة لتفكيك البنية الصحية واستهداف قدرتها على العمل، من خلال قصف المستشفيات والعيادات، وعرقلة إدخال الوقود والمعدات الطبية، وصولًا إلى استهداف الأطقم الطبية التي تعرضت للقتل والاعتقال والنزوح. ومع فقدان عدد كبير من الأطباء والممرضين لقدرتهم على أداء مهامهم، ازداد الانهيار الصحي داخل المخيمات وحتى داخل المستشفيات، لتصبح العمليات الجراحية الطارئة، وحتى العلاجات الأساسية لمرضى الأمراض المزمنة، شبه مستحيلة في ظل هذا الحصار الخانق.
- عدم وجود مساعدات إنسانية كافية
أما المساعدات الإنسانية التي تصل للقطاع، فهي أقل بكثير مما يحتاجه السكان، وتظل غير كافية لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم اليومية. وتشير تقديرات محلية إلى أن نسبة كبيرة من الخيام أصبحت غير صالحة للسكن، إما بسبب التمزق أو الانهيار الكامل نتيجة الأمطار والعواصف، ما يترك آلاف الأسر بلا مأوى ثابت يعتمدون عليه.
وفقدت مئات آلاف العائلات منازلها بالكامل، فيما تستمر القيود على دخول المواد الإغاثية والخيام والأغطية، وهو ما يفسر النقص الحاد في مستلزمات الإيواء الأساسية. ومع تزايد أعداد النازحين، أصبحت بعض المخيمات غير قادرة على استيعاب المزيد، لتزداد الضغوط ويضيق المكان على الجميع.
كيف تؤثر أزمة المأوى بعد الحرب على الصحة النفسية لسكان غزة
لم تُدمر قوات الاحتلال البنية التحتية في غزة فقط، بل حطمت البيوت والمخيمات وكل ما يمكن أن يوفر الحد الأدنى من الأمان، لتترك السكان بلا مأوى، وبلا طعام أو رعاية، وبلا دعم نفسي يخفف عنهم هول ما عاشوه. فقد الآلاف من الفلسطينيين أحبتهم، وتشردوا لأشهر طويلة في ظروف قاسية، وهو ما عمق جراحهم النفسية بشكل غير مسبوق. ولكن الأطفال بالتحديد يواجهون صدمات شديدة نتيجة ما شهدوه من قتل ودمار، وتحولت ذكرياتهم اليومية إلى مشاهد لا تغادر مخيلتهم، كأصوات الانفجارات، وانهيار المباني، وفقدان أفراد من عائلاتهم. هذه التجارب أكبر بكثير من قدرة أي طفل على الاستيعاب.
1. أثر نفسي شديد على الجميع سكان غزة
الحرب الممتدة لأكثر من عامين خلقت أزمة نفسية عامة تطال جميع سكان القطاع. فالمشاهد المروعة التي عاشوها، جثث، أشلاء، دماء، منازل مهدمة تسببت باضطرابات نفسية عميقة، وخلفت جروحًا داخلية قد تستمر لسنوات طويلة، لا سيما لدى من فقد قريبًا أو عاش لحظات خطيرة من الخوف والهروب. وقد تضاعفت الحاجة إلى خدمات الصحة النفسية في غزة لأكثر من الضعف خلال العامين الأخيرين، لكن المفارقة المؤلمة أن القطاع الصحي النفسي نفسه تعرض للانهيار، فقد تم تدمير المستشفى النفسي الوحيد في غزة، وتضررت العيادات والمراكز التي كانت تقدم خدمات الدعم والعلاج، ليبقى السكان بلا أي غطاء نفسي أو طبي.
اليوم، يعيش كثير من الأفراد في حالة مستمرة من القلق وانعدام الأمان. الخوف من المجهول، فقدان الاستقرار، والصعوبات في محاولة البقاء. وكل ذلك يجتمع ليضع الصحة النفسية لأهل غزة على حافة الانهيار الكامل. وتُعد صعوبات الوصول إلى خدمات الرعاية النفسية مأساة إضافية شديد القسوة بفعل الحصار والقيود المستمرة. فكيف يمكن لشعب يُحرم من الطعام والماء والدواء، أن يجد ما يخفف عنه آلامه النفسية أو يسانده وهو يواجه أسوأ الظروف التي يمكن لإنسان أن يتخيلها.
2. فقدان الشعور بالأمان والاستقرار
يشكّل فقدان المأوى واحدًا من أكثر العوامل التي تُخلّ بالاستقرار النفسي، إذ يواجه السكان حالة دائمة من انعدام الأمان نتيجة العيش في خيام أو مبانٍ مهدّمة لا توفر الحد الأدنى من الحماية. هذا الوضع يعزز الشعور بالخطر المستمر ويؤدي إلى ارتفاع معدلات القلق والخوف، ما يجعل الفرد في حالة تأهّب نفسي دائم ويحدّ من قدرته على العودة إلى حياة طبيعية.

