يواصل الاحتلال الإسرائيلي خروقات وقف إطلاق النار في غزة واستمرار العدوان، فعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار،إلا أن الواقع الميداني يرسم صورة مختلفة تمامًا، حيث يشهد القطاع استمرارًا لأعمال العنف التي تقوض أي فرصة للاستقرار أو إعادة الإعمار.
الخروقات الإسرائيلية المتواصلة للهدنة
تُعد الخروقات المستمرة لوقف إطلاق النار السمة الأبرز للمشهد الحالي في غزة. فمنذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ، توثّقت أعداد كبيرة من الانتهاكات التي تشمل القصف المدفعي والجوي، وإطلاق النار المباشر على المدنيين، وعمليات نسف المنازل. هذه الخروقات لا تقتصر على منطقة محددة، بل تنتشر في أنحاء متفرقة من القطاع، حيث تم تسجيل أكثر من 194 خرقًا إسرائيليًا لاتفاق وقف إطلاق النار.
وتتخذ هذه الانتهاكات أشكالًا متعددة، بدءًا من القصف المدفعي الكثيف الذي يستهدف الأحياء السكنية، وصولًا إلى الغارات الجوية التي تخلف دمارًا واسعًا وأعدادًا من الضحايا. تشير التقارير إلى أن استهداف المدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء، لا يزال مستمرًا، كما أن عمليات نسف المنازل، حتى بعد نزوح أصحابها، تُضاف إلى سلسلة الانتهاكات التي تعمق من معاناة السكان.
كما شن الجيش الإسرائيلي غارات جوية تزامناً مع قصف مدفعي شرق خان يونس جنوب قطاع غزة أدى إلى ارتفاع حصيلة ضحايا الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة إلى 68 ألفاً و875، أغلبهم من الأطفال والنساء، منذ أكتوبر 2023.
أثر الخروقات في الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة
تعد الكارثة الإنسانية في غزة نتيجة مباشرة لاستمرار العدوان والحصار. فمع تدمير البنية التحتية، والمستشفيات، وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية، يواجه السكان ظروفًا معيشية قاسية تتهدد حياتهم، حيث يواصل الاحتلال سياسة “الخنق” لقطاع غزة من خلال تقنين دخول الشاحنات والمساعدات الإنسانية، مما يفاقم الأزمة. هذا النقص في الغذاء والدواء والوقود يؤثر بشكل مباشر على قدرة المستشفيات على العمل وعلى توفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين، مما يزيد من خطر انتشار الأمراض وتدهور الأوضاع الصحية.
بالإضافة إلى الأضرار المباشرة، يشكل وجود مخلفات الحرب من ألغام وذخائر غير منفجرة خطرًا داهمًا على حياة المدنيين، وخاصة الأطفال. كما أن الدمار الهائل في البنية التحتية، بما في ذلك شبكات المياه والصرف الصحي، يهدد بكارثة بيئية وصحية على المدى الطويل.

1. تعطيل وصول المساعدات والحصار
لا يزال تعطيل وصول المساعدات والحصار مستمر ، حيث يواصل الاحتلال الاسرائيلي إغلاق وتقييد نقاط الدخول البرية والبحرية والجوية، وفواصل متكررة أو مطولة في مرور الشحنات الطبية والغذائية والوقود والمياه والمواد الإسعافية، مما يوقف خطوط الإمداد ويُبقي السكان المحاصرين دون حصول منتظم على الاحتياجات الأساسية. الأمر الذي يؤدي فورياً إلى نقص حاد في الغذاء والدواء والوقود ويضع الخدمات الأساسية تحت ضغط الانهيار.
- تأثيرات على الخدمات الطبية والمستشفيات
المستشفيات تعاني من نفاذ الإمدادات الطبية والأدوية والمستلزمات الجراحية، ونقص وقود تشغيل المولدات مما يعرقل قدرات العناية الحرجة.وتعطّل دخول الإمدادات يزيد معدل الوفيات المباشرة وغير المباشرة ويجبر المستشفيات على تأجيل أو إيقاف العمليات وعمليات الولادة الآمنة.
- تأثيرات على الأمن الغذائي والتغذية
انقطاع المساعدات وقيود الدخول يسبب تراجعاً سريعاً في توفر الغذاء وارتفاع الأسعار وشح المواد الغذائية الأساسية. النتيجة زيادة معدلات سوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال والحوامل وكبار السن، وظهور حالات مجاعة محلية في مناطق شديدة الاعتماد على المساعدات الدولية.
- تأثيرات على المياه والصرف الصحي وانتشار الأمراض
نقص الوقود وقطع الإمداد يعيق تشغيل محطات المياه ومعالجة الصرف الصحي، ما يؤدي إلى انخفاض توفير مياه الشرب الآمنة وزيادة تلوث البيئة. هذا يرفع خطر انتشار أمراض كهذه الإسهالات والجروح الملوَّثة والأوبئة المنقولة بالمياه، ويزيد العبء على نظام صحي منهك.
2. التهجير الداخلي وانعدام الأمان
التهجير الداخلي يعني نزوح الناس قسرياً داخل حدود مناطقهم الوطنية نتيجة استمرار القصف وفقدان السكن والتهديدات المتواصلة، بينما انعدام الأمان يشمل الخوف المستمر من الهجمات، الاقتحامات، أو منع الحركة والإتاحة للخدمات. هذه الظاهرة في قطاع غزة تميّزت بنزوح جماعي متكرر وعودة جزئية غير آمنة لكثير من السكان بسبب خروقات وقف إطلاق النار.
وتتمثل الأسباب المباشرة والدافعة للنزوح في تكثّف العمليات العسكرية والاشتباكات، إلى جانب القصف الجوي والبري الذي يدفع المدنيين إلى مغادرة منازلهم بشكلٍ فوري بحثاً عن ملاذٍ آمن. كما يؤدي تدمير المنازل والبنية التحتية، إضافةً إلى صعوبة الوصول إلى المناطق السكنية، إلى جعل البقاء في تلك المناطق أمراً غير ممكن من الناحية الاقتصادية والعملية. وإلى جانب ذلك، فإن انعدام الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء والرعاية الصحية والغذاء، وغياب الحماية القانونية، واستمرار المخاطر الأمنية، كلها عوامل تُجبر العائلات على النزوح داخل القطاع بحثاً عن أماكن تتوافر فيها بعض الخدمات الأساسية أو وجود منظمات إغاثة إنسانية.
بالإضافة إلى الازدحام الشديد داخل الملاجئ والمؤسسات العامة مثل المدارس والمساجد والمراكز المجتمعية، حيث تؤوي آلاف النازحين في ظروف مكتظة تفتقر إلى الخصوصية وتعرض النساء والأطفال وكبار السن لمخاطر صحية. كما أن نقص المأوى الملائم يجبر العديد من العائلات على العيش في بيئات غير صالحة، ما يجعلهم عرضة للبرد أو الحرارة الشديدة، ويؤدي إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض التنفسية والجلدية وانتشار العدوى نتيجة الاكتظاظ وسوء الخدمات الصحية المتاحة.
اقرأ المزيد أزمة النزوح الداخلي ومراكز الإيواء المكتظة في غزة
ما هي أسباب استمرار الخروقات رغم الاتفاقيات الموقعة؟

مع دخول الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة مراحلها الأكثر دموية منذ أكتوبر 2023 حتى 2025، تكثفت الجهود للتهدئة والتوصل إلى اتفاقيات ملزمة لوقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى. إلا أن المراقب للأوضاع الميدانية والإنسانية يلاحظ أن هذه الاتفاقيات كثيراً ما يتم خرقها. إن الاتفاق الأخير الذي دخل حيز التنفيذ في يناير 2025 يرتكز الاتفاق على ثلاث مراحل:
- المرحلة الأولى: وقف إطلاق نار شامل مؤقت لمدة 6 أسابيع، تبادل للأسرى، انسحاب تدريجي إسرائيلي من المناطق المكتظة بالسكان، إدخال مكثف للمساعدات، البدء بعودة النازحين، وتعهد المضي بمفاوضات التهدئة الدائمة.
- المرحلة الثانية: وقف دائم للأعمال العدائية، إطلاق سراح باقي الرهائن الإسرائيليين، استكمال الانسحاب الإسرائيلي، التفاوض حول الترتيبات الأمنية والإدارية للقطاع.
- المرحلة الثالثة: بدء عملية إعادة إعمار واسعة للقطاع.
تُظهر الوقائع الميدانية منذ اندلاع جولات الحرب الأخيرة أن فصائل المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها كتائب القسام، تمكنت رغم الحصار الشديد وحجم الخسائر البشرية والمادية من الحفاظ على بنية عسكرية منظمة وفاعلة. فقد واصلت إدارة عملياتها في مناطق الاشتباك واحتفظت بأسرى إسرائيليين، ما منحها أوراق ضغط حقيقية في أي مفاوضات محتملة.
في المقابل، تتمسك إسرائيل بسياسة الردع من خلال الحسم العسكري المتواصل وعمليات القصف المتقطعة التي تهدف إلى إضعاف القوة العسكرية للمقاومة وفرض واقع ميداني ضاغط على الشعب الفلسطيني ومؤسساته الرسمية. وغالباً ما تُبرَّر الخروقات المتكررة لوقف إطلاق النار بمسوغات أمنية، مثل تنفيذ اجتياحات محدودة، واعتقال قيادات ميدانية، واستهداف مواقع سكنية أو تهجير مدنيين.
تعاني البنية الاجتماعية في غزة من دمار غير مسبوق، حيث تجاوز عدد الشهداء والجرحى ربع مليون، يشكّل الأطفال والنساء نسبة مرتفعة منهم، إلى جانب انهيار شامل في الخدمات الأساسية والمرافق العامة. وأسفر النزوح الجماعي والتفكك الأسري والخوف المزمن من تجدد الحرب عن تآكل النسيج الاجتماعي وتراجع القدرة على الصمود.
كما أدّت الانقطاعات المتكررة للاتفاقيات وصعوبة تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار إلى تفاقم أزمة السكن وانعدام المأوى الآمن، ما عمّق الفجوة الاجتماعية وزاد من اعتماد السكان على المساعدات الخارجية، مقيّداً إرادتهم بالحاجة والخشية من صدامات جديدة.
أما الحصار الإسرائيلي المستمر منذ عام 2007، إلى جانب الحروب المتكررة، فقد تسبب في انهيار شبه كامل للبنية التحتية والاقتصاد المحلي. وقدرت خسائر الناتج المحلي الإجمالي للقطاع بنحو 35% خلال عام 2024 وحده، مع فقدان ما يقارب 400 ألف وظيفة وارتفاع معدلات البطالة إلى 79% في الربع الأخير من عام 2023.
ووصلت نسبة الفقر المتعدد الأبعاد إلى نحو 96% بحلول الأسبوع الثالث من الحرب، بينما تراجعت مؤشرات التنمية البشرية إلى ما يعادل مستويات ما قبل 16 عاماً. ويحول استمرار الحرب والحصار دون استعادة النشاط الاقتصادي الطبيعي حتى أثناء فترات الهدوء النسبي، إذ يبقى فتح المعابر ودخول مواد البناء والحركة التجارية مرهوناً بما يسمى بـ”الاستقرار الأمني”، ويُستخدم كأداة ضغط سياسية واقتصادية.
كما تُعرقل الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة جهود إعادة الإعمار، مسببة أزمة إسكان حادة وتفاقماً في أزمات المياه والكهرباء. كما تثقل كاهل المجتمعات المحلية والمنظمات الإنسانية التي تواجه صعوبات كبيرة في توفير التمويل والسيولة اللازمة، في ظل تأثير مباشر على النظام المصرفي الفلسطيني نتيجة القيود المالية والانقسامات السياسية.

